لواء زغلول يكتب: مصر التي لا تسقط من التاريخ
أرض الأمان عبر العصور وركيزة التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط
بقلم اللواء د. أحمد زغلول مهران
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية
في عالم تغيّرت خرائطه مرات لا تُحصى وسقطت فيه إمبراطوريات كانت تبدو خالدة بقيت مصر واحدة من الدول القليلة التي لم تغادر صفحات التاريخ بل ظلت دائماً في قلبه
في مسيرة التاريخ الإنساني لا تقاس قوة الدول فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية بل بقدرتها على الاستمرار عبر الزمن والحفاظ على دورها الحضاري في محيطها الإقليمي لقد عرف التاريخ إمبراطوريات عظيمة امتدت حدودها عبر القارات ثم اختفت ودولاً قوية كانت راسخة في فتره من فترات التاريخ ثم تلاشت من المشهد الدولي غير أن مصر تمثل حالة استثنائية في هذا السياق فهي واحدة من الدول القليلة في العالم التي نجحت في عبور آلاف السنين دون أن تفقد هويتها الحضارية أو دورها السياسي وقد كتب المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في موسوعته قصة الحضارة
“إن الحضارة المصرية كانت واحدة من أعظم بدايات الحضارة الإنسانية المنظمة"
كما قال المؤرخ الإغريقي هيرودوت عبارته الشهيرة
“مصر هبة النيل"
أما الفيلسوف الفرنسي فولتير فقد كتب قائلاً
“من يريد أن يفهم بدايات التاريخ الإنساني فعليه أن يبدأ من مصر"
لماذا بقيت مصر بينما سقطت الإمبراطوريات؟
عندما يتأمل الباحث في مسيرة التاريخ الإنساني يلاحظ أن الإمبراطوريات الكبرى التي حكمت مساحات واسعة من العالم لم تستطع الحفاظ على وجودها إلى الأبد فقد سقطت إمبراطوريات قوية مثل الرومانية والبيزنطية والعثمانية وتراجعت قوى كانت تبدو راسخة في التاريخ غير أن مصر تمثل حالة مختلفة فهي ليست إمبراطورية توسعت عسكرياً ثم انهارت، بل حضارة متصلة الجذور استطاعت أن تعيد تشكيل نفسها عبر العصور دون أن تفقد هويتها الأساسية ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل الفريدة من بينها موقعها الجغرافي الذي جعلها مركزاً للتواصل بين القارات ونهر النيل الذي وفر أساس الاستقرار الاقتصادي إضافة إلى قدرة المجتمع المصري على بناء مؤسسات دولة مستقرة قادرة على التكيف مع التحولات التاريخية الكبرى ولهذا ظلت مصر عبر آلاف السنين ركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط وملاذاً للأمان في أوقات الاضطراب .
أولاً : مصر في الروايات الدينية والتاريخية
تحتل مصر مكانة فريدة في الروايات الدينية الكبرى ففي قصة سيدنا يوسف عليه السلام قدمت مصر نموذجاً مبكراً لإدارة الأزمات الاقتصادية عندما وضع يوسف عليه السلام سياسة تعتمد على تخزين المحاصيل في سنوات الرخاء استعداداً لسنوات القحط وقد ورد ذلك في القرآن الكريم :
“قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون"
(سورة يوسف – الآية 47)
كما اكتسبت مصر مكانة روحية كبيرة بعد رحلة العائلة المقدسة عندما لجأت السيدة مريم العذراء والسيد المسيح عليه السلام إلى أرض مصر هرباً من الاضطهاد .
ومع ظهور الإسلام استمرت هذه المكانة حيث أوصى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأهل مصر خيراً عندما قال :
“إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيراً"
كما لعبت مصر دوراً حاسماً في حماية المنطقة من أخطر التهديدات العسكرية في التاريخ الإسلامي في معركة عين جالوت عام 1260م بقيادة السلطان سيف الدين قطز .
ثانياً : مصر القديمة وبناء الدولة المركزية
تعد الحضارة المصرية القديمة واحدة من أقدم التجارب الإنسانية في بناء الدولة المركزية المنظمة وقد لاحظ المؤرخ العربي الكبير ابن خلدون هذه الخصوصية الحضارية عندما قال :
“مصر أم البلاد وغوث العباد"
وهي عبارة تعكس إدراكاً مبكراً للمكانة الاقتصادية والحضارية لمصر في العالم القديم .
ثالثاً : مصر الحديثة وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي
دخلت مصر منذ القرن التاسع عشر مرحلة جديدة من تاريخها تمثلت في بناء الدولة الحديثة واستعادة الاستقلال الوطني وجاءت حرب أكتوبر عام 1973 لتشكل نقطة تحول كبرى عندما تمكنت القوات المسلحة المصرية من عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف وهو ما أعاد التوازن العسكري والسياسي في الشرق الأوسط كما عززت قناة السويس مكانة مصر الجيوسياسية باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية في العالم .
رابعاً : مصر في الرؤية الدولية المعاصرة
أكد العديد من القادة الدوليين أهمية الدور المصري في تحقيق الاستقرار الإقليمي فقد وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصر بأنها :
“ركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط"
كما عكست زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للقاهرة مستوى الثقة الدولية في الأمن والاستقرار داخل مصر .
وأشاد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السابق علي خامنئي قبل استهدافه مؤخراً فى حرب الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل على ايران بدور مصر محلياً وإقليمياً مؤكداً أن استقرارها يؤثر بصورة مباشرة على التوازنات السياسية في الشرق الأوسط .
كما أكد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان :
“مصر قلب العروبة، وإذا استقرت مصر استقر العالم العربي"
خامساً : مصر ذراعها ممدودة لكل الشعوب
عبر التاريخ لم تكن مصر مجرد دولة بحدود سياسية بل كانت دائماً ملاذاً للإنسان الباحث عن الأمان فقد احتضنت مصر ملايين الأشقاء من فلسطين وسوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان في أوقات الأزمات ومنحتهم المأوى والعمل والتعليم .
سادساً : مصر في معادلة الأمن الدولي
في ظل التحولات الدولية الكبرى أصبحت مصر أحد الأعمدة الأساسية في منظومة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والبحر المتوسط وأفريقيا فموقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث قارات وسيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم ( قناة السويس) يمنحها دوراً محورياً في التجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي .
سابعاً : لماذا تمثل مصر عقدة التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط
تمثل مصر نقطة ارتكاز أساسية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط فهي حلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا وتتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية إضافة إلى ثقلها السكاني والحضاري ولهذا يرى العديد من المهتمين أن مصر تمثل العقدة الجيوسياسية التي تتقاطع عندها المصالح الدولية في المنطقة .
ثامناً : ماذا يحدث إذا اختل استقرار مصر؟
تشير الدراسات الاستراتيجية إلى أن استقرار الشرق الأوسط يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار الدول المركزية فيه وفي مقدمة هذه الدول تأتي مصر التي تمثل مركز ثقل سياسياً وسكانياً وعسكرياً في المنطقة .
تاسعاً : القاهرة مركز الجاذبية السياسية في الشرق الأوسط
ظلت القاهرة عبر القرون واحدة من أهم العواصم السياسية والثقافية في العالم العربي ومنها انطلقت قرارات سياسية كبرى أثرت في مسار المنطقة كما كانت منصة للحوار بين القوى الإقليمية والدولية .
عاشراً : مصر في عيون قادة العالم السابقين
أكد عدد من القادة الدوليين أن مصر تمثل الدولة المحورية في النظام الإقليمي .
فقد أشار السياسي الأمريكي هنري كيسنجر إلى أن أي ترتيبات سياسية في الشرق الأوسط لا يمكن أن تحقق نجاحاً دون دور مصري فاعل .
كما أكد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل أهمية الموقع الاستراتيجي لمصر في التوازنات الدولية .
أما الرئيس الفرنسي شارل ديجول فقد اعتبر أن مصر تمثل إحدى الركائز الحضارية والسياسية الكبرى في الشرق الأوسط .
الحادي عشر : ماذا قال المؤرخون عن مصر عبر التاريخ
اعتبر المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي أن مصر واحدة من أهم الحضارات التي استطاعت بناء نموذج للدولة المستقرة في التاريخ الإنساني .
وتعكس هذه الشهادات التاريخية حقيقة واضحة أن مصر لم تكن مجرد دولة عابرة في مسيرة التاريخ بل كانت أحد المراكز الكبرى التي انطلقت منها الحضارة الإنسانية المنظمة .
فى النهايه •• عندما نقرأ التاريخ بعمق ندرك أن هناك دولاً تصنع الأحداث ثم تختفي وهناك دولاً أخرى تبقى لأنها تشكل جزءاً من التوازن الطبيعي للعالم ومصر تنتمي إلى الفئة الثانية فعلى مدى آلاف السنين تغيرت خرائط العالم وسقطت إمبراطوريات كبرى لكن مصر بقيت حاضرة في قلب المشهد الحضاري والسياسي ولهذا فإن استقرار مصر لم يكن يوماً شأناً داخلياً فقط بل كان دائماً جزءاً أساسياً من استقرار الشرق الأوسط بأكمله وستظل مصر كما كانت عبر التاريخ ركناً ثابتاً في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي وموطناً لحضارة عريقة وملاذاً للأمان لكل من يلجأ إليها إن التاريخ قد يغيّر خرائط الدول لكنه لم يستطع يوماً أن يغيّر مكانة مصر •• وستبقى مصر ارض الامان حتى آخر الزمان

-4.jpg)

.jpg)

-1.jpg)
.jpg)